17 décembre 2008

خطبة واصل بن عطاء المنزوعة الراء

خطبة واصل بن عطاء المنزوعة الراء

كان واصل بن عطاء على ما وهبه الله من فطانة وفصاحة وحسن تصرف في القول كان صاحب عاهة في نطق حرف الراء أي كان به لثغة في حرف الراء.

وكان واصل يحسن التأتي لهذا العيب المحرج في النطق , فيجانب لفظ الراء إلى سواه من الحروف , فيجعل البر قمحاً , والفراش مضجعاً , والمطر غيثاً , والحفر نبشاً فكانت كلمات
تحل محل أخرى ولا تقل عنها قوة ومعنى
, وقد سجل لنا العلماء خطبة كاملة لواصل بن عطاء تجنب فيها حرف الراء .

والخطبة قيمة فنية وتاريخية عظيمة , فهي خطبة مرتجلة أمام الوالي ووفد من العلماء , اقتدر صاحبها على الاستغناء فيها عن حرف من أكثر الحروف دوراناً في الكلام , وعلى الرغم من أنها خطبة ذات طابع ديني , فيها من معاني القرآن الكريم وأساليبه ونصوصة. غير أن واصل قد تمكن من الفرار في إبداع وخفة وحذق من ألفاظ معينة إلى مرادفاتها , وهذا يدل على قدرة فنية لا تتأتى إلا إلى الأفذاذ.

أما قيمتها التاريخية فتنبع من كونها أنموذج من خطب الوعظ الخالص في القرن الثاني للهجرة, تجنب فيها واصل فتن المذاهب والدعوات المذهبية, وفيها شبه كبير بخطبتي عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك رضي الله عنهما, وقد اجتمع في ثلاثتها التحذير من مفاتن الدنيا, وتصوير نهاية الأحياء, والتنوية بفضل القرآن, والحث على إتباع آيه وهديه.

والخطبة قيمة تربوية عظيمة, يمكن لمعلمي ومعلمات اللغة العربية محاكاتها بطلب إلى طلابهم في التحدث في موضوع حديث يتجنب فيه المتعلم والمتعلمة البعد عن حروف معينة يختارها المعلم والمعلمة, ليدرب طلابه على الإبداع في تجنب الكلمات واختيار المترادفات.


الحمدُ للهِ القَدِيمِ بلا غَايَةٍ، والبَاقِي بلا نِهَايَةٍ، الذي علا في دُنُوِّه، وَدَنَا في عُلُوِّه؛ فلا يَحْوِيه زَمَانٌ، ولا يُحِيطُ به مَكَانٌ، ولا يَؤُودُه حِفْظُ ما خَلَقَ، ولم يَخْلُقْه على مِثَالٍ سَبَقَ، بل أَنْشَأَه ابْتِدَاعًا، وَعَدَّلَه اصْطِنَاعًا، فأحسنَ كلَّ شَيءٍ خَلَقَه، وَتَمَّمَ مَشِيئَتَه، وأَوْضَحَ حِكْمَتَه؛ فَدَلَ على أُلُوهِيَّته، فسبحانَه لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه، ولا دَافِعَ لِقَضَائِه، تَوَاضَعَ كلُّ شَيءٍ لِعَظَمَتِه، وذَلَّ كلُّ شَيءٍ لِسُلْطَانِه، وَوَسِعَ كلَّ شَيءٍ فَضْلُهُ، لا يَعْزُبُ عنه مِثْقَالُ حَبَّةٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ.
وأشهدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَه، إِلِهًا تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُه، وَعَظُمَتْ آلاؤُه، وعلا عن صِفَاتِ كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَتَنَزَّه عن شَبِيه كلِّ مَصْنُوعٍ؛ فلا تَبْلُغُه الأَوْهَامُ، ولا تُحِيطُ به العُقُولُ ولا الأَفْهامُ، يُعْصَى فَيْحَلُمُ، ويُدْعَى فَيَسْمَعُ، ويَقْبَلُ التَّوبةَ مِن عبادِه ويَعْفُو عن السَّيِّئَاتِ ويعلمُ ما تفعلون.
وأشهدُ شهادةَ حَقٍّ، وقولِ صِدْقٍ بإخلاصِ نِيَّةٍ وَصِحَّةِ طَوْيَّةٍ أَنَّ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ عبدُه ونَبِيُّه وخَالِصَتُه وَصَفِيُّه، ابْتَعَثَه إلى خَلْقِه بالبَيِّنَةِ والهُدَى ودِينِ الحَقِّ فَبَلَّغَ مَأْلُكَتَه، وَنَصَحَ لأُمَّتِه، وجاهدَ في سبيلِ اللهِ لا تَأْخُذُه في الحَقِّ لَوْمَةُ لائِمٍ، ولا يَصُدُّه عنه زَعْمُ زَاعِمٍ، مَاضِيًا على سُنَّتِه، مُوفِيًا على قَصْدِه حتى أَتَاهُ اليَقِينُ فصلى الله على محمدٍ وعلى آل محمدٍ أَفْضَلَ وأَزْكَى وأَتَّم وأَنْمَى وأَجَلَّ وأعلى صَلاةٍ صَلاَّها على صَفْوَةِ أَنْبيائِه، وخَالِصَةِ مَلائكتِه، وأضعافَ ذلك إِنَّه حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
أُوصيكم عبادَ اللهِ مع نفسي بتقوى اللهِ، والعملِ بطاعتِه، والمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِه، وأَحُضِّكُم على ما يُدْنِيكم منه، ويُزْلِفُكم لديه؛ فإِنَّ تقوى اللهِ أفضلُ زادٍ، وأحسنُ عاقِبَةٍ في مَعَادٍ، ولا تُلْهِيَنَّكم الحياةَ الدّنيا بِزَيْنَتِها وخَدْعِها، وَفَوَاتِنِ لِذَّاتِها، وشَهَوَاتِ آمَالِها؛ فإِنَّها مَتَاعٌ قَلِيلٌ، ومُدَّةٌ إلى حينٍ، وكلُّ شيءٍ منها يزولُ فكم عَاينْتم مِن أَعَاجِيبِها، وكم نَصَبَتْ لكم مِن حَبَائِلِها، وأَهَلَكَتْ مَن جَنَحَ إليها، واعْتَمَدَ عليها، أَذَاقَتْهم حُلْوًا، ومَزَجَتْ لَهُم سُمًّا، أينَ الملوكُ الذين بَنَوا المدائنَ، وشَيَّدُوا المَصَانِعَ وَأَوْثَقُوا الأبوابَ، وكاثَفُوا الحِجَابَ، وَأَعَدُّوا الجِيادَ، ومَلَكُوا البِلادَ، واسْتَخْدَمُوا التِّلادَ؟!
قَبَضَتْهُم بِمِحْمَلِها، وطَحَنَتْهم بِكَلْكَلِها، وعَضَّتْهم بأنيابِها، وعاضَتْهم مِن السِّعةِ ضِيقًا، ومِن العِزَّةِ ذُلاًّ، ومِن الحياةِ فَنَاءً؛ فَسَكَنُوا اللُّحودَ، وَأَكَلَهُم الدُّودُ، وَأَصْبَحوا لا تُرَى* إِلاَّ مَسَاكِنُهم، ولا تَجِدُ إِلاَّ مَعَالِمَهم، ولا تُحِسُّ مِنهم مِن أَحَدٍ، ولا تَسْمَعُ لهم نَبْسًا، فَتَزَوَّدُوا عافاكم اللهُ؛ فإِنَّ أفضلَ الزَّادِ التّقوى، واتَّقوا اللهَ يا أولي الألبابِ لعلَّكم تُفْلِحونَ، جَعَلَنا اللهُ وإيَّاكم مِمَّن يَنْتَفِعُ بِمَواعِظِه، ويعملُ لِحَظِّه وَسَعَادَتِه، وَمِمَّن يَسْتَمِعُ القولَ فَيَتَّبِعُ أحسنَه، أولئك الذين هداهم اللهُ وأولئك هم أولوا الألبابِ، إِنَّ أحسنَ قَصَصِ المؤمنينَ وأبلغَ مواعِظِ المُتَّقينَ كتابُ اللهِ الزَّكِيَّةُ آياتُه، الوَاضِحَةُ بِيَّنَاتُه؛ فإذا تُلِيَ عليكم فَأَنْصِتُوا له واسْمَعُوا لعلَّكم تُفْلِحونَ.
أعوذُ بالله القَوِيِّ مِن الشَّيطانِ الغَوِيِّ، إِنَّ اللهَ هو السميعُ العليمُ، قل هو اللهُ أحدٌ اللهُ الصّمدُ لم يَلِدْ ولم يولدْ ولم يكن له كُفُوَا أَحَدٌ.
ثم قال :
نَفَعَنَا اللهُ وإيَّاكم بالكتابِ الحكيمِ، والوَحْي المُبِينِ، وأعادَنا وإيَّاكم مِن العذابِ الأليمِ، وأَدْخَلَنا وإيَّاكم جناتِ النَّعيمِ. 

* ملاحظة محمد الضاوي: لقد استعمل واصل كلمة تُرَى حتى يحتفظ بقوة المعنى لأن هذا التعبير (لا  تُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهم) أسلوب قرآني لا يمكن تغييره.

Posté par ikmedo77 à 15:43 - Commentaires [0] - Permalien [#]


Commentaires sur خطبة واصل بن عطاء المنزوعة الراء

Nouveau commentaire